مقال: سلطة القصيدة
قبل عقود صرح الشاعر نزار قباني بسلطة القصيدة عليه، فرأى أن القصيدة هي التي تكتبه، مبرزا في هذا القول جانبا هاما يخص الحالة الإبداعية الخاصة، وإني لأجد الكلمات أحيانا تضطرب داخل مكنون القصيدة وهي مازالت في أعماقي لم تختمر بعد، فأشعر أنّ داخلي كيان يتحرك هو أشبه بحركة بركان يبحث له عن متنفس، فتسارع جوارحي إلى الاستجابة لهذه الزلزلة الحرفية التي تعتبر نواةً أولى تترجم فكرة عَنَت، أو عاطفةً تأجّجت نتيجة موقف سابق خَطَر أو فرضه موقفٌ معين، فتُنازعني ابتساماتٌ غامرة أو يرتسمُ العبوس على المحيا، فأسارع إلى القلم؛ ونوبة من الخوف تساورني خشية أن أفقد شيئا من هذه الأحاسيس أو الأفكار، وما يجعل القصيدة متميزة - حسب رأيي- هو لحظة ميلادها الأولى بأسرارها المختلفة، وألوانها البدائية، فإنّ المعاني التي تنثرها والأحاسيس التي تبثها تبقى خالدة لا نظير لها، ولا يمنع هذا أن يدقق المبدع في نسجها ويبعدها عن اللحن المفسد لمعانيها قبل تركيبها، فهي في نظري كلحظة خروج المولود إلى النور ، يحتاج رعاية من نوع خاص، تلك إذن لحظة لا مثيل لها، أمّا أن يعمد إلى تغيير معانيها ويكثر النبش في تراكيبها متكلفا؛ فذاك لعمري مسيء إلى تفرد القصيدة، وتشويه للأصل الخلاق، يكاد يكون - في نظري- عملا موازٍ لعمل ميكانيكيٍّ خبيرٍ يجري إصلاحات على سيارة جديدة!.
إن لحظة َميلاد القصيدة هي ما يميز إبداعَ شاعر عن شاعر آخر، وهو ما يجعل القصيدة أكثر انفتاحا أمام المتلقي وعلى وجه الخصوص القارئ الناقد، الذي يمكنه أن يبدع في القراءة ويَخرج بنص جديد لا يقل تميزا عنها، إني حين أعود الى ما خطت يميني أجدني كنت في لحظة الشعور بلذة الكتابة أتصور أني أستطيع أن أكتب ما اختلج في خاطري وتوهجت له نفسي، فانصهر بداخلها، وسيولد على بياض ورقتي، وأشعر بالراحة والمتعة، لكنّ ما حملته الكلمات قد كان قاصرا عن تصوير تلك الحالة الشعورية، ممّا يفتح المجال واسعا للتساؤل. هل الأمر يعود لطبيعة التجربة الشعورية أم إلى الملكة الشعرية نفسها، أم إلى نقص في الدربة والميراس، أم إلى قصر اللغة والتعارض بين الحس والفكر من جهة واللغة المعبرة من جهة أخرى،...
أمّا أنا فأقول: لا يخلو الأمر من بعض تلك الأمور على اختلاف درجات الحاجة إليها، غير أنّ طبيعة ترجمة ما يخالج النفس تبقى عصيّةً على صاحب الشعور نفسه، وخاصة إذا لم يترجم مشاعره وأفكاره أثناء تحركها في نفسه ويستغل طاقة الإلهام والوحي الشعري الذي يميزه.
فما بالك بالقارئ على اختلاف درجاته، الأمر الذي يجعلنا نجزم بأنه مهما حفرنا في النص الإبداعي يبقى محتفظا بأسراره التي تمنحه الخلود عبر الازمنة.
محفوظ زاوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق