الثلاثاء، 16 يونيو 2020

قصة بنت الغني

قصّة قصيرة مدعَّمة بالشعر
***** بنت الغني****
أخذ مدللته معه لاقتناء حاجيات البيت من الخضار والفاكهة واللحم، كان متعودا على أن يخصص يوم الراحة الأسبوعية لذلك، لكن فتاته الصغيرة ذات السنوات الثلاث، سارعت إلى حمل القفة، وأمسكت بيده وهي تلوح بابتسامة بريئة، جعلته يتناسى تعب العمل، كأنها ملكت مفاتيح صبره على عدم المحافظة على نمطه اليومي، من تغيير الثياب والاستحمام، والجلوس في القاعة المطلة  شرفتها على الشارع الرئيسي ويده تتناوب على القهوة حينا و السيجارة حينا أخرى، وبين رنة هاتف وأخرى يضيع كلاهما، أدار محرك السيارة السوداء اللامعة، إذ جلست الصبية في المقعد الأمامي، تتحسس الطريق المؤدي إلى السوق المعتاد، كأنها لا تعرف طريقه، أو تودع من تعرفهم إلى غير رجعة.
ومن فرط حبّه لها كان لا يغفل على ملاطفتها وتوجيهها بالتمسك جيدا ، يخاف عليها  الوقوع من مقعد السيارة أو اصطدامها بالزجاج الأمامي، وهي تجيب مختارة لذلك حركات رأسها التي تسحر الناظر بشعرها الذهبي المسدل على كتفيها، ما يجعله يرد بابتسامة عريضة ،مواصلا السير باتجاه المكان المقصود، اختار له الشباب المسؤول عن موقف السوق مكانا غير بعيد عن المدخل ، فهو المقاول المعروف بأناقة لباسه ولون سيارته الفارهة، وموعد المجيء، ركن السيارة وصحب معه ابنته يمسك يسارها بيمينه ودخلا معا باتجاه جناح الخضر، كان يقلب ناظريه على السلع المعروضة ويختار أجودها وإن غلا ثمنه، لم ينتبه إلا وابنته تُهدي لفتاة تكبرها قليلا حبة تفاح من الكيس الذي أصرت على حمله، فقد رأتها تحرك فكيها في حركة مضغ وهمية ولسانها الجاف يحاول مسح تشققات شفتيها ، ويسيل بما بقي من لعابها، فكلّم ابنته بنبرات صوت ساخرة كأنها سكاكين أخرى تضاف إلى سكاكين الجوع التي تقطع أمعاها: هذه الفتاة ومثيلاتها تعودن هذا السلوك كلما رأين مُشترٍ عليه ملامح النعيم، وبحركة رأسه أشار إليها أن ترمي إليها الحبة ويكملا طريقهما، غير أن مظهر تلك الفتاة الفقيرة ذات الثياب البالية استعطف الصبية ونال منها المظهر الحزين، فهو لا يوحي بتصنع ولا تكفل، هنا سقطت مقولة المظاهر خادعة، فسارعت إلى جيب والدها تريده أن يُخرج لها منه ما يواسي حالت هذه المسكينة، أمام دهشة والدها الذي تبكّم ولم يعلم كيف استطاعت أن تُلقّنه كل هذه الدروس، مذ أصرت على الخروج معه إلى هذه اللحظة،  فاستجاب لطلبها وأخرج بعض الأوراق النقدية وووضعها في يمين ابنته لتهديها لهذه الفتاة ، امتلأت كف الصبية بتلك الأوراق ، ما يشير إلى أن المبلغ كان مُحترما، وراحت تسلمها لها ، أما الفتاة فما انقطعت عيناها منذ الوهلة الأولى عن المشهد ، وكأنها تؤرخ للحدث، وهي تتمنى أن تستطيع الصبية أن تكسر تكبر والدها الذي تعوّد ألّا يلتفت إليها أو إلى من هم في مثل حالها.
أخبرني من شهد الواقعة لو أن المكان تكلم  لقال عن حال الفقيرة:
لاشيءَ في الوجود يَعدلُك
يا قاهرَ النفوس قبل الأجساد 
ما أقبحك!
وفي الليالي الحالكات زادت أنّتك
تعصر قلبَ كلّ مفجوعٍ في الحلك
وفي ضوء الشمس -يا فقر- ما أوجعك
وتزري بالشريف 
ما أغربك!
وأنت مذ عرفتنا ماغيّرت ثوبك الفاحم 
مهما تغيّر الفلكْ
ألا تكنْ رحيم القلبِ بالذي
ضاقت يمينه فما ملكْ
ياعمر الفاروق ما أعدلك!
قد كنت توعدته بالقتل والفتك
لو ملكت سبيلا أشبعته 
سوطا حتى هلك
حتى هلك.
محفوظ زاوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صليل الحروف

عنوان القصيدة: «صليل الحروف» ستزهرُفي الآفاق غربتُــــنا ويمتدُّ السكـــــــــــــــونُ على الخوافقِ الخُرقِ من وَهَــــــــــــــــــن فت...