هوس الكتابة
أخشى على نفسي من الكتابة
إني في بحورها أغرق غير أني ببخور البلاغة أتسلح فأنتشي
أمّا عذوبة العربية فهي تستهويني، هي شراعي الوحيد الذي يمكن أن يخلصني من الغرق، لا أكاد أستريح من خاطرة حتى تعن لي أخرى ، وكلما مر بي موقف إلا أحسست أن الكلمات تتنازع بداخلي كلٌ منها يسارع الخطو إلى شفتي، كأنها تخشى أن توأد وهي في الجوف، وكلما حركني مشهد تراءت تفاصيله في الشارع أو على شاشات التلفاز، أو ذكرى مرت بي أحداثها أجدني أتمتم بداخلي بعبارات بعضها أسمعه بقلبي وبعضها تترجمه حواسي، والمحظوظ منها أدوّنه على شاشة الهاتف النقال، وقليل منها ما ينال نقشه على بياض الورقة، وهي المسكينة تعاني من الجفاء هذه الأيام فقد زاحمتها شاشة الهاتف وصارت لها ضرة قاسية كما يقول المثل الشعبي (الضرة مرّة)، ومن كثرة الموضوعات واختلاف الأحاسيس والمشاعر المصاحبة هناك من الخواطر والأشعار أو مشاريع القصة القصيرة ما يضيع في زحمة الوفرة، وظلام النسيان، وضغط اليوميات، والقليل يجد طريقه إلى نور الكتابة والنشر، وقليله يحظى بالمراجعة والتدقيق، والتمحيص والتصديق، فأرضى عنه، ولا شك أني أجد الثناء من القراء على اختلاف طبقاتهم، كما أجد النقدوالتقويم من بعض من أوتي سلطة النقد وزاد المعرفة، فيستقيم لي الامر أكثر فأكثر.
إن هوس الكتابة نِعمَ الهوس فهو يأخذني من عالمي اللحظي إلى عوالم متعددة، أبحر إليها دون سفينة أو قطار، دون أن أخسر درهما أو دينارا، أتنقل بين مدن الأجناس الأدبية فأحسني في رحلة سياحية أتوقف في مدينة الشعر فيستهويني موضوع الحب والحنين وأقلب طرفي على نقيضه فأجد سوداوية الواقع، وينازعني الأمل والقدرة على تجاوز المحن، فأعود لأرسم صورة أخرى عن الحياة وجمالها، والرغبة في الإبحار في جزئياتها، ثم أنتقل إلى مدينة القصة القصيرة فكل ما في الحياة مداد يصلح أن يكون قصة ذات مغزى وعبرة، يمكنها أن تغير سلوكا، أو تحيي ضميرا، أو تُفكه وتسلي، أو تثقف وتنير.
لكن هذا الهوس يكاد يأخذ مني نفسي ومنطق الحياة إلى هذا العالم الفسيح، الذي وإن أبحرت فيه فإن التيه فيه محمود العواقب على نقيض باقي العوالم المختلفة، فالظفر بالفوائد مضمون على اختلاف الدرجات، فأنا أخشى نسيان بعض واجبات الحياة ومسؤولياتها لأن تركيزي صار مشدودا إلى عمل مازال يحتاج لمساته الأخيرة ليولد مكتملا.- طبعا حسب قدراتي وتجربتي- أو أخر يحتاج النشر والتوثيق، والآخر يستوجب متابعة النشر ، فيا عجبا إذا استعبدك الحرف وهمت في عشقه تجوب مدنه المتناغمة!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق